الثلاثاء , يونيو 9 2026
{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{"addons":1,"transform":1},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":true,"containsFTESticker":false}

حضرموت بين استنزاف الفرص ومعضلة الحوكمة: نحو انتقال استراتيجي من إدارة الأزمة إلى هندسة النهضة

حضرموت بين استنزاف الفرص ومعضلة الحوكمة: نحو انتقال استراتيجي من إدارة الأزمة إلى هندسة النهضة

بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
9 يونيو 2026م

ليست الأزمات التي تعيشها المجتمعات دائمًا نتيجة نقص الموارد، كما أنها ليست بالضرورة نتاج مؤامرات خارجية أو عوامل مفروضة من الخارج، بل إن جانبًا مهمًا منها يرتبط بقدرة النخب السياسية والإدارية على قراءة الفرص واستثمارها وتحويلها إلى مشاريع تنموية مستدامة. ومن هذا المنطلق تبدو حضرموت اليوم نموذجًا جديرًا بالتأمل والدراسة.
تعيش حضرموت مرحلة دقيقة من تاريخها المعاصر، مرحلة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والخدمية والسياسية والاجتماعية بصورة معقدة، حتى أصبحت بعض الأزمات المزمنة جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، وهو وضع يستدعي مراجعة شاملة تتجاوز ردود الفعل الآنية نحو التفكير الاستراتيجي بعيد المدى.
إن أي قراءة موضوعية للواقع الحضرمي يجب أن تبدأ بالاعتراف بحقيقة أساسية مفادها أن حجم الموارد والإمكانات المتاحة لا ينسجم مع حجم المعاناة القائمة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الإدارة وآليات اتخاذ القرار وأولويات السياسات العامة.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن التنمية لا تبدأ من وفرة الموارد، وإنما من كفاءة الإدارة وحسن توظيف الإمكانات المتاحة، فهناك دول نهضت بموارد محدودة، وأخرى تعثرت رغم امتلاكها ثروات ضخمة، لأن الفارق الحقيقي يكمن في نوعية النخب وقدرتها على إدارة التحولات.
وفي هذا السياق فإن حضرموت لا تعاني أزمة موارد بقدر ما تعاني أزمة إدارة وفرص مهدرة، وهي قضية يجب أن تناقش بموضوعية وهدوء بعيدًا عن المزايدات والانفعالات السياسية.
إن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه كثير من النخب العربية خلال العقود الماضية هو تعليق الإخفاقات الداخلية على عوامل خارجية بصورة مستمرة، حتى أصبح الآخر مسؤولًا عن كل شيء، بينما تراجعت ثقافة النقد الذاتي والمراجعة المؤسسية والمساءلة الفاعلة.
ولا يمكن لأي مشروع نهضوي في حضرموت أن ينجح ما لم يبدأ من الاعتراف بالمسؤولية المحلية عن جوانب واسعة من الإخفاقات، لأن الاعتراف بالمشكلة يمثل الخطوة الأولى نحو معالجتها.
وقد أتيحت لحضرموت خلال السنوات الأخيرة فرص سياسية واقتصادية وإدارية متعددة كان يمكن أن تشكل نقطة تحول تاريخية لو جرى استثمارها بصورة أكثر كفاءة، إلا أن كثيرًا من تلك الفرص تآكلت بفعل التردد أو ضعف الرؤية أو تضارب المصالح أو غياب التنسيق بين مراكز القرار المختلفة.
ومن أخطر ما تواجهه المجتمعات في المراحل الانتقالية أن تتحول الفرصة إلى مناسبة للصراع بدلًا من أن تكون منصة للبناء، وهو ما يؤدي غالبًا إلى استنزاف الوقت والموارد والطاقة المجتمعية.
إن جوهر التحدي في حضرموت لا يكمن في ندرة الموارد بقدر ما يكمن في طبيعة المؤسسات التي تدير تلك الموارد. فالتجارب التنموية الحديثة أثبتت أن الثروة لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية، بل تحتاج إلى منظومة حوكمة تقوم على الشفافية والمساءلة والكفاءة وسيادة القانون. وكلما ضعفت المؤسسات الرقابية والتنفيذية، اتسعت الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة على أرض الواقع. ولذلك فإن إصلاح المؤسسات لا يقل أهمية عن إصلاح الخدمات، بل يمثل الأساس الذي تُبنى عليه بقية الإصلاحات الاقتصادية والتنموية.
إن أزمة الكهرباء ليست مجرد مشكلة فنية، بل مؤشر على خلل أعمق في التخطيط وإدارة الموارد والطاقة. كما أن أزمة المياه لا تعكس نقصًا طبيعيًا فحسب، بل تكشف عن الحاجة إلى رؤية استراتيجية شاملة للأمن المائي.
ومن أكثر المفارقات إيلامًا في المشهد الحضرمي أن المواطن يواجه بصورة يومية تحديات متكررة في الحصول على المشتقات النفطية والغاز المنزلي، رغم أن حضرموت تمتلك موارد نفطية وغازية تُعد من بين الأهم على مستوى اليمن. فمشاهد الطوابير، وتقلبات الإمدادات، وارتفاع أسعار البترول والديزل والغاز، وما يترتب على ذلك من أعباء معيشية متزايدة على المواطنين والقطاعات الإنتاجية والخدمية، تطرح تساؤلات مشروعة حول العلاقة بين الثروة الطبيعية ومستوى الاستفادة المجتمعية منها. وفي أدبيات الاقتصاد السياسي لا تقاس قيمة الموارد بحجمها في باطن الأرض، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى استقرار اقتصادي وخدمات مستدامة وفرص تنموية يشعر المواطن بآثارها المباشرة. ومن هنا فإن قضية الطاقة في حضرموت لم تعد مجرد ملف خدمي، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لكفاءة الإدارة العامة وقدرتها على تحويل الثروة إلى تنمية، والموارد إلى رفاه نسبي يخفف معاناة الناس ويعزز الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
أما أزمة العملة وتدهور القوة الشرائية للمواطن فهي ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل قضية تمس الأمن الاجتماعي والاستقرار المجتمعي ومستقبل الأجيال القادمة.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتأخر الرواتب أو تصبح غير منتظمة، لأن الراتب في المجتمعات النامية لا يمثل دخلًا فرديًا فحسب، بل يشكل عنصرًا أساسيًا في الدورة الاقتصادية المحلية.
كما أن تراجع أوضاع التعليم يمثل خطرًا استراتيجيًا طويل المدى، لأن المجتمعات تستطيع تعويض خسائر البنية التحتية خلال سنوات، لكنها تحتاج عقودًا لتعويض خسائر التعليم وإعادة بناء رأس المال البشري.
وحين يصبح المعلم غير قادر على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، فإن المجتمع بأكمله يدفع ثمن ذلك مستقبلًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن هنا فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي في حضرموت يجب أن يضع التعليم والطاقة والمياه والرواتب في مقدمة الأولويات الوطنية، باعتبارها ركائز الاستقرار والتنمية.
غير أن مسؤولية التغيير لا تقع على السلطة وحدها، بل تشمل أيضًا النخب الفكرية والاقتصادية والأكاديمية والإعلامية والاجتماعية، لأن التنمية عملية تشاركية وليست مهمة جهة واحدة.
إن المجتمعات التي تنتظر الحلول من الحكومات وحدها غالبًا ما تستغرق وقتًا أطول للخروج من أزماتها، بينما تحقق المجتمعات التي تبادر إلى المشاركة والتنظيم والعمل الجماعي نتائج أكثر استدامة.
ولذلك فإن حضرموت بحاجة إلى بناء شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الدراسات والخبراء المحليين.
ومن الناحية العملية، فإن المرحلة الراهنة تتطلب جملة من الخطوات التنفيذية الواضحة، في مقدمتها إنشاء إطار مؤسسي للتخطيط الاستراتيجي طويل المدى يضم الخبرات والكفاءات المتخصصة، وإعطاء أولوية قصوى لتطوير قطاعي الطاقة والخدمات الأساسية بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، وتعزيز منظومات الرقابة والشفافية والمساءلة لضمان كفاءة إدارة الموارد العامة، إضافة إلى بناء آليات فاعلة للاستفادة من الكفاءات والخبرات الحضرمية في الداخل والمهجر بوصفها رصيدًا تنمويًا ومعرفيًا قادرًا على الإسهام في صناعة المستقبل.
كما أن الوقت قد حان للانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الفرص، فالأمم الناجحة لا تقاس بقدرتها على مواجهة المشكلات فقط، وإنما بقدرتها على تحويل التحديات إلى محركات للنمو والتطور.
وتملك حضرموت مقومات عديدة تؤهلها لذلك، من موقع جغرافي استراتيجي، وثروات طبيعية هائلة، وثروة بشرية متميزة، وإرث حضاري عريق، وشبكات واسعة من الكفاءات الحضرمية المنتشرة في أنحاء العالم.
غير أن هذه المقومات تحتاج إلى رؤية موحدة تتجاوز الحسابات الضيقة والمصالح الآنية، وتضع مصلحة حضرموت فوق أي اعتبار آخر.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس الفقر في الموارد، بل فقر الرؤية. فالموارد يمكن تعويضها، والاستثمارات يمكن استقطابها، أما ضياع الرؤية الاستراتيجية فيؤدي إلى تبديد الفرص التاريخية التي قد لا تتكرر إلا بعد عقود. ولهذا فإن المستقبل لا تصنعه الثروات وحدها، وإنما تصنعه النخب القادرة على تحويل تلك الثروات إلى مشروع حضاري وتنموي متكامل.
كما تحتاج إلى مؤسسات قوية قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم، لأن التنمية ليست شعارات تُرفع، بل منظومات عمل تُدار بكفاءة واحتراف.
وإذا كانت النخب الحاكمة تمتلك القدرة على الإصلاح والتطوير فعليها أن تبادر إلى ذلك بسرعة ومسؤولية، لأن الزمن عامل حاسم في إدارة التحولات، وكل فرصة تضيع اليوم قد يصعب تعويضها غدًا.
أما إذا عجزت عن القيام بواجباتها أو فقدت القدرة على الإنجاز، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي إفساح المجال أمام من يستطيع خدمة الناس وتحقيق مصالحهم.
وفي المقابل فإن على المجتمع أن ينتقل من دائرة الشكوى المستمرة إلى دائرة المشاركة الفاعلة، لأن النقد وحده لا يبني وطنًا، كما أن التذمر وحده لا يصنع مستقبلًا.
إن حضرموت تقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب شجاعة الاعتراف بالواقع، وجرأة الإصلاح، وحكمة إدارة الاختلاف، وإرادة العمل المشترك.
وفي نهاية المطاف فإن نجاح التجربة الحضرمية لن يكون مكسبًا لحضرموت وحدها، بل سيكون نموذجًا ملهمًا لليمن شمالًا وجنوبًا، ورسالة تؤكد أن الشعوب القادرة على مراجعة أخطائها واستثمار فرصها تستطيع أن تصنع مستقبلها مهما كانت التحديات كبيرة ومعقدة.
إن حضرموت لا تحتاج اليوم إلى اكتشاف موارد جديدة بقدر حاجتها إلى تعظيم العائد التنموي من مواردها القائمة. فالتحدي لم يعد تحدي إنتاج النفط والغاز أو امتلاك الموارد، وإنما تحدي الإدارة الرشيدة، والحوكمة الفاعلة، وعدالة توزيع المنافع، وربط الثروة الطبيعية بمشروعات تنموية وخدمية مستدامة. وهذه هي المعايير التي تُقاس بها نجاحات الأقاليم والدول في العصر الحديث، حيث تصبح الثروة الحقيقية هي القدرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى جودة حياة أفضل للمواطن.
إن بناء مستقبل حضرموت لم يعد مسألة تتعلق بتوفير الموارد بقدر ما يتعلق ببناء توافق مجتمعي واسع حول أولويات التنمية ومبادئ الحوكمة الرشيدة. فكلما اتسعت دائرة التوافق على الأهداف الكبرى، ازدادت قدرة المؤسسات على تحويل الإمكانات المتاحة إلى منجزات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس على حجم الموارد المتاحة، بل على نوعية العقول التي تديرها، وعلى مقدار الإخلاص الذي يُبذل من أجل الإنسان قبل أي شيء آخر، لأن الأمم تُبنى بالوعي والعمل والمسؤولية، لا بالأمنيات والشعارات.
حفظ الله بلادنا حضرموت وأهلنا الكرام، ووفق أبناءها إلى ما فيه خيرها ونهضتها وازدهارها، وختام الكلام سلام.

عن ادارة التحرير

شاهد أيضاً

تشويه بوابة شبام التاريخية من قبل أتباع الانتقالي يهدد مكانة شبام العالمية من ضمن التراث العالمي

تشويه بوابة شبام التاريخية من قبل أتباع الانتقالي يهدد مكانة شبام العالمية من ضمن التراث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *