الثلاثاء , يناير 27 2026

حضرموت لا تتبع الجنوب تاريخيا ولن تقبله بقيادة عقلية المثلث !

حضرموت لا تتبع الجنوب تاريخيا ولن تقبله بقيادة عقلية المثلث !

تواجه السردية السياسية التي يتبناها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل تحديا وجوديا لم يعد بالإمكان القفز عليه أو تغطيته بشعارات الحماس الثوري.

هذا التحدي لا يأتي من “الشمال” هذه المرة بل ينبع من صميم الجغرافيا التي يفترض الانتقالي أنه يمثلها.
إن جوهر الأزمة يكمن في الخلط المتعمد أو ربما قصر النظر الاستراتيجي بين مفهوم “الجنوب” كشعار سياسي وبين حضرموت كواقع تاريخي وديموغرافي واقتصادي مغاير تماما للمركز الذي يقوده الانتقالي.

يقع الانتقالي في مفارقة تاريخية صارخة فهو بينما يلعن الوحدة الاندماجية مع الشمال عام 1990 يحاول في الوقت ذاته فرض “وحدة اندماجية” أخرى داخل الجنوب نفسه مستخدما الأدوات ذاتها التي استُخدمت عشية الاستقلال في ستينيات القرن الماضي من القوة العسكرية وشيطنة المخالف وفرض المركزية.

لقد تم توحيد سلاطين ومشيخات الجنوب العربي وكانت حضرموت في قلب تلك الكيانات بالقوة والدم لإنتاج دولة “اليمن الديمقراطية الشعبية”.
وجاء الانتقالي لاستعادة تلك الدولة بحدودها الإدارية ولكن بعقلية “المثلث” (الضالع – يافع – ردفان) متجاهلا ان القوة التي صهرت الجنوب سابقا لم تعد مقبولة ولا فاعلة في زمن الوعي الهوياتي المتصاعد
وفي مقدمته الوعي الحضرمي.

لم تكن حضرموت تاريخيا جزءا أصيلا من نسيج “اتحاد الجنوب العربي” الذي تشكّل في عدن ومحيطها بل كانت كيانا سياسيا مستقلا بهويته ومؤسساته (السلطنة القعيطية والسلطنة الكثيرية). واليوم ومع تآكل القوة الخشنة للانتقالي برز الصوت الحضرمي بوضوح ليعلن لسنا ملحقا لأحد. فالمجتمع الحضرمي يميل تاريخيا إلى التجارة والهجرةوالسلم الاجتماعي والعمل المؤسسي وهو ما يتناقض جذريا مع ثقافة العسكرة والصراع المناطقي المستمر التي وسمت تاريخ “المثلث” منذ الستينيات وحتى اليوم.

وتدرك النخب والمجتمعات في حضرموت أن مشروع الانتقالي المنحل في عمقه هو مشروع تمكين لنفوذ مناطقي محدد وأن نصيب حضرموت فيه لن يتجاوز التبعية السياسية واستنزاف الموارد النفطية لتمويل صراعات لا علاقة لها بالمصلحة الحضرمية.

لذلك فإن حضرموت اليوم لا تبحث عن “انفصال عبثي” بل عن مسار حضرمي خاص سواء في شكل إقليم مستقل الصلاحيات أو حكم ذاتي كامل ينأى بها عن دوامة صراعات “الرفاق” في مناطق النفوذ التقليدية.

وفي قلب هذه المعادلة تقف عدن المدينة المدنية المنفتحة التي تشكّلت تاريخيا لتكون مدينة تجارة وموانئ وقانون وحياة حرة لا ساحة نفوذ قبلي ولا ثكنة عسكرية ولا غنيمة صراعات لكنها اليوم، وتحت هيمنة نفوذ “المثلث” تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات القروية وعسكرة الحياة المدنية.

إن مشروع المثلث بصيغته الحالية يعيق تحول عدن إلى منطقة اقتصادية عالمية أو إقليم تجاري مستقل لأن عقلية “المعسكر” لا يمكنها إدارة “ميناء حر”.
عدن تتوق مثل حضرموت إلى التحرر من الهيمنة العسكرية والمناطقية لاستعادة مدنيتها ووظيفتها الاقتصادية التي قتلتها الصراعات السياسية المستوردة.

لم يعد مصطلح “الجنوب العربي” أو “دولة الجنوب” بصيغته الشمولية صالحا للتسويق السياسي.

لقد سقطت ورقة التوت وبات واضحا أن حضرموت لا تعترف بتمثيل الانتقالي المنحل او المثلث لمصالحها ولا ترى نفسها جزءا من “جنوب” يُفصّل على مقاس مناطق بعينها.
إن الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بأن ما يسمى بالجنوب ليس كتلة صماء بل فسيفساء تاريخية وهوياتية معقدة. وإذا كان هناك من أفق للحل فلن يكون باستعادة دولة مركزية شمولية تحت راية “المثلث” بل بالاعتراف الصريح بحق حضرموت في تقرير مسارها السياسي والاقتصادي وبحق عدن في استعادة مدنيتها بعيدًا عن أحلام الهيمنة التي أثبت التاريخ فشلها وأثبت الواقع استحالة فرضها.

ماجد بن طالب الكثيري

عن ادارة التحرير

شاهد أيضاً

صخر قبيلة نوح التي تكسرت أمامها طموحات الغزاة والمعتدين على حضرموتالبطل عمر علي احمد باجحام بارشيد النوحي

صخر قبيلة نوح التي تكسرت أمامها طموحات الغزاة والمعتدين على حضرموتالبطل عمر علي احمد باجحام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *