الإثنين , أبريل 20 2026

سنوات خدّاعات حينما يصبح الكذب وجهة نظر ..(الانتقالي نموذجا)

سنوات خدّاعات
حينما يصبح الكذب وجهة نظر ..
(الانتقالي نموذجا)

في دورات الزمن، تمر على البشرية فترات لا يشكو فيها الناس من قلة المعرفة، بل من “تزييفها”. نحن نعيش الآن في عصر من أطلق عليه الفلاسفة “ما بعد الحقيقة”، وهو تجسيد حي لتلك السنوات الخدّاعة التي يرتدي فيها الزيف ثوب الحقيقة، ويُصدَّق فيها الكاذب لمجرد أنه يمتلك أعلى صوت أو أكثر المنصات بريقاً.

  • اختلال الموازين: لماذا نصدق؟
    إن خطورة “السنوات الخدّاعة” لا تكمن في وجود الكذب بحد ذاته، فالكذب قديم قدم البشرية، بل تكمن في شيوعه وقبوله. نجد أنفسنا اليوم أمام ظواهر تجعل من تصديق الكاذب أمراً يسيراً:
  • بريق العرض: في زمن الصورة، أصبح “الشكل” أهم من “المضمون”. الكاذب الذي يتقن فن التسويق لنفسه ويبني هالة من النجاح الوهمي، يجد آذاناً صاغية أكثر من الصادق المتواضع.
  • التكرار المستمر: القاعدة الدعائية تقول إن الكذبة إذا تكررت بما يكفي تصبح حقيقة. ومع تدفق المعلومات اللامتناهي، يغيب الفكر النقدي ويحل محله التسليم بما يُقال.
  • التزييف الممنهج: إعلام _المجلس الانتقالي نموذجاً
    لا تجسد “السنوات الخداعة” نفسها في الأفكار المجردة فحسب، بل نراها اليوم تتجسد في واقعنا المعاش عبر منصات إعلامية متخصصة في صناعة الوهم. وما نشهده اليوم من ضجيج صادر عن الآلة الإعلامية التابعة للمجلس الانتقالي يقدم مثالاً صارخاً على هذا الانحدار؛ حيث يتم تسخير الإمكانيات لا لتنوير المجتمع، بل لتزييف الحقائق وقلب الموازين.
    في هذا الفضاء الإعلامي، يُعاد تعريف “الصدق” ليكون متوافقاً مع الأجندة، ويُقدّم “الكذب” في قوالب وطنية براقة تخدع البسطاء وتستغل عواطفهم. إن هذا الكم من التضليل يعتمد على استراتيجيات واضحة:
  1. خلق واقع موازٍ: تصبح فيه الإخفاقات إنجازات وهمية، والأزمات مجرد مؤامرات خارجية.
  2. شيطنة المخالف: حيث يُجابه كل صوت ينطق بالحقيقة بحملات تخوين وتشويه، مما يجعل الصادق في حيرة من أمره.
  3. تغييب الوعي الجمعي: عبر إغراق المتلقي بسيل من المعلومات المغلوطة التي تمنعه من رؤية الحقائق الملموسة على الأرض.

·زمن “الرويبضة” والموازين المقلوبة
إن أشد ما يؤلم في هذه السنوات ليس فقط تصديق الكاذب، بل ما يتبع ذلك من “تخوين الصادق” و”إقصاء الأمين”. عندما تختل المعايير، يصبح الوضوح تهمة، والصدق يُفسر على أنه سذاجة أو ضعف. في هذا المناخ، يبرز “الرويبضة” — وهو الشخص الذي يتحدث في الشأن العام بغير علم أو بصيرة — ليقود الوعي الجمعي نحو منحدرات من الوهم.

  • كيف ننجو بوعينا؟
    إن مواجهة السنوات الخدّاعة لا تكون بالاعتزال، بل بامتلاك “مصفاة الوعي”. النجاة تتطلب منا:
  • التمحيص: عدم القبول بالمعلومة لمجرد أنها براقة أو منتشرة.
  • البحث عن الجوهر: العودة إلى الحقائق المجردة بعيداً عن ضجيج المنصات المسيسة.
  • دعم الصادقين: إنارة الشموع بدلاً من لعن الظلام، من خلال إعطاء القيمة لأهل الأمانة والخبرة الحقيقية.

خاتمة

السنوات الخدّاعة هي اختبار للضمائر قبل أن تكون اختباراً للعقول. إنها المرحلة التي يتميز فيها من يتمسك بالحق رغم مرارته، عمن ينجرف وراء الزيف رغم حلاوته. وحين يكتشف الناس حجم الهوة بين ما يقال في الشاشات وبين الواقع المرير، يكون الثمن فادحاً. وفي النهاية، يبقى للصدق نور لا تخطئه القلوب السليمة، فالحقيقة قد تُحجب لكنها أبداً لا تموت.

جلال الكثيري .

عن ادارة التحرير

شاهد أيضاً

السقف المفتوح لتقرير المصير بحضرموت

السقف المفتوح لتقرير المصير بحضرموت كتب / امين بن كده الكثيري في هذه اللحظة المفصلية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *