الثلاثاء , يناير 13 2026

فساد الأراضي المنظّم

 

فساد الأراضي المنظّم

■ مقال / فائز الصيعري

تضمنت وثائق الأراضي المصروفة للمواطنين “طرف ثاني” ، من قبل مكاتب الإسكان والعقار “طرف أول” ، التابعة لوزارة الإسكان ، بعقود انتفاع الفقرات التالية :

1 – يتعهد الطرف الثاني بالشروع في إقامة المبنى خلال سنة منذ يوم توقيع العقد على أن ينتهي من البناء خلال ثلاث سنوات منذ يوم البدء بالأعمال .
2 – يحق للطرف الأول سحب وإلغاء عقد الانتفاع وفقا للطرق القانونية عند إخلال الطرف الثاني بأحد بنود العقد .

وعليه فإن من حق الدولة قانونا ، سحب وإلغاء عقود الانتفاع ، لمئات المخططات ، وآلاف الأراضي المصروفة ، والتي لم يلتزم أصحابها ببنود العقد المبرم كما جاء في تلك الوثائق .

فالملاحظ للناظر على المساحات الشاسعة ، على طول وعرض البلاد ، وجود مئات الآلاف من الأراضي التي صُرفت ، فيما لم يتم الشروع في بناء إلا النزر اليسير منها فقط ، وكثير منها أصبحت مرتعا للمتاجرة في سوق البيع والشراء ، وبذلك فإن الجشع الذي رافق تلك العملية مايشيب منه الولدان ، فهناك مخططات بكاملها صُرفت لذوي الحظوة والأقارب والأصهار ، وبنات العم وأبنائهن ممن لم يبلغوا الحلم حتى !!
وبما أن الشيء بالشيءُ يذكر، فقد أخبرني أحد الدلالين ، أن صهر أحد المهندسين باع اثنتي عشرة قطعة أرض لوحده !!

أما المساحات الكبيرة والتي صُرفت بغرض الاستثمار ، فكانت أكذوبة كبرى ، وهي أحد أوكار الفساد المنظم ، حتى أصبحت اليوم مكان لغسيل الأموال المشبوهة ، ومازالت تنتقل من شخص إلى آخر وهي قفراء جرداء فلا استثمار ولايحزنون .!!

إن مايجري في قطاع الأراضي في حضرموت ، يُدمي القلب حقا ، فعندما أشاهد صباحا عشرات آلاف الطلاب ، وهم يتوجهون إلى مدارسهم ، يعتريني الألم والحسرة على مستقبل هؤلاء الذين أضعنا حقهم في أن يحصل أحدهم مستقبلا على قطعة أرض يبني عليها مسكنا ، فلم يعد لهم إلا رؤوس الجبال ليسكنوها .!

بل إن ذلك الفساد المنظم والذي حدث عقب تحول الدولة من الاشتراكية قبل الوحدة ، والتي كانت تنزع الملكية الخاصة وتغتصبها من يد صاحبها ، إلى الرأسمالية بعد الوحدة حيث فرطت في كل شيء ، وتركت الحبل على غارب الفاسدين يعيثون فسادا في الأرض ، فضيعوا حقنا وحق أبنائنا وأحفادنا .

ومما لاشك فيه أن أزمة الأراضي التي نعيشها ، وغلاء أسعارها الخيالية ، في بلد يقع في ذيل قائمة الدول من حيث الخدمات ، هو نتاج ذلك الفساد المنظم .
ويرتبط بذلك بشكل مباشر ، ارتفاع أسعار إيجارات الشقق لدينا ، فقد عاد الكثير منا من دول الاغتراب ، حيث وجد أن الأرض جميعا قد قطعت وصرفت وركنت ، فلا طاقة له بشرائها ، وبناء مسكن يأوي إليه هو وعائلته ، فاضطر للسكن بالإيجار ، فزاد الطلب على العرض ، فارتفعت الإيجارات بشكل جنوني ، بالإضافة إلى عوامل أخرى منها توقف البناء والعمران والاستثمار في ذلك المجال ، وعدم تمدد المدن أو ظهور مدن جديدة .

بينما ذلك المغترب مواطن ومن حقه الحصول على قطعة أرض كغيره ، وعندما علا صوته مطالبا بذلك ، عملت له السلطة “دهن خالة” ووعدته ومنّته وتشدّقت بخدمته ثم مالبثت أن تخلّت عنه ونسيت أمره .

إن الفساد الذي نعانيه في الأراضي قد جر علينا كل أنواع البلاء ، من أكل أموال الناس بالباطل ، والرشوة ، وسقوط الأخلاق ، والتزوير ، والقتل وغيرها ..

وعلى المصلحين الناصحين ، القائمين على شؤون هذا البلد ، إن بقي منهم أحد في مقام المسؤولية ، أن يطبّق ماجاء في عقود الانتفاع ، ويوقف عمليات البيع والشراء والتصديق عليها ، وسيجد أن مئات الآلاف من الأراضي ستعود الى ملكية الدولة من جديد ، وهي حق للأجيال القادمة ، وسينتهي بذلك احتكار فئة معينة من الناس لتلك الأراضي والمتاجرة بها دون وجه حق .

أما المهندسون والمسؤولون الفاسدون وكل من تدور حوله شبه فساد ، فيجب التحقيق معهم ثم جرُّهم إلى المحاكم علنا ، وهناك تكون الكلمة الفصل .

عن ادارة التحرير

شاهد أيضاً

المصير المشترك .. لماذا أصبح إخراج “الانتقالي” من الشرق اليمني ضرورة حتمية للرياض والشرعية؟

المصير المشترك .. لماذا أصبح إخراج “الانتقالي” من الشرق اليمني ضرورة حتمية للرياض والشرعية؟ أمين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *