الثلاثاء , يناير 13 2026

حضرموت والتنمية .. الأسئلة الكبرى “1”

 

حضرموت والتنمية .. الأسئلة الكبرى “1”*

مقال للكاتب / فائز الصيعري

لقد أصبح من المقولات الشهيرة ، التي تجري مجرى الأمثال ” أن الإنسان هو جوهر التنمية ومحورها وهدفها ”

وبما أنه كذلك فلنعيد التنمية إلى جذورها الإنسانية ، ومانقصده هنا بالتنمية ، هو درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لبلد أو مجتمع ما .
وحتى نعرف حالنا مع التنمية ، فلنقارن أنفسنا بإحدى دول العالم الأول ، وماسيظهر لنا من فروق ، هو مانطلق عليه التنمية .

مواطننا الأول يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية ، بولاية واشنطن ، على بحر ساليش والذي يطل على المحيط الهادىء ، وتشتهر باصطياد أسماك التونة .
ومواطننا الثاني يعيش في ساحل حضرموت ، الواقعة على بحر العرب والمحيط الهندي ، وتحديدا في مدينة الشحر ، لنرى كيف يعيش صديقنا الأمريكي ، ثم كيف يعيش نظيره الحضرمي .

يبلغ جوزيف الخامسة والأربعين من عمره ، ويمتلك قاربا متوسط الحجم ، مجهز بكافة وسائل الملاحة ، ومعدات الصيد الحديثة ، وبه ثلاجات تبريد كبيرة تحفظ حتى 20 طنا من السمك .
ويستفيد جوزيف من الدعم الذي توفره الحكومة باستمرار ، من توفير أجهزة الملاحة وكاشفات الأعماق والشباك ومعدات الصيد بكافة أنواعها ، كما يستفيد كذلك من الدورات والبرامج التي تقدمها الحكومة لخدمة الصيادين وتطوير أداءهم وإكسابهم مهارات ومعارف فنون الاصطياد .

يبيع جوزيف محصوله من الأسماك بالجملة إلى تجار بيع الأسماك ، في مراكز الإنزال المخصصة لذلك ، فينقلونه بحاويات مبردة مجهزة لهذا الغرض ، وبدورهم يبيعونه على شركات تغليف وتعليب الأسماك ، والتي تقوم بتصنيعه ثم تصديره .

يحصل جوزيف على سعر ممتاز ، نتيجة تدخل الدولة في تقليص الواردات ، وتحديد مواقع ومواسم الاصطياد كل عام ، وحماية الصيادين من تقلبات السوق ، وهنا نجد أن الدعم الحكومي والمعدات المتطورة والتسويق الفعّال بالإضافة إلى العمل الشاق ، تمكن جوزيف من الحصول على حوالي 50 ألف دولار سنويا .
بهذا الدخل يتمكن جوزيف وعائلته من التمتع بكل ضروريات الحياة وكمالياتها .

ماذا عن صديقنا الآخر الصياد الحضرمي ؟؟
يعيش سالم في ساحل حضرموت ، وفي مدينة الشحر تحديدا ، حيث تشتهر بأمهر صيادي التونة على طول الشريط الساحلي ، وقد ورث مهنة الصيد عن أبيه عن جده .
يمتلك سالم قاربا محليا صغير الحجم يدعى “هوري” بمحركين قوة الواحد 60 حصان .
وقد بدأ سالم أخيرا باستخدام بعض التقنيات ككاشف الأعماق وجهاز تحديد مواقع الأسماك وبعض معدات الصيد الحديثة كالطعوم الصناعية ، إلا أن هذه المعدات ليست في جودة المعدات التي يستخدمها زميله الأمريكي .
وصديقنا الحضرمي لا يستطيع استخدام معدات شبيهة بمعدات زميله الأمريكي ، إما لأنها باهظة الثمن أو لأنها غير موجودة أصلا ، أو لا تتوافق وقاربه الصغير . والنتيجة هو أن إنتاج سالم لايبلغ خُمس إنتاج جوزيف .
وليس هناك من خيار أمام سالم إلا بيع إنتاجه اليومي من الأسماك ، لمندوبي شركات تصنيع الأسماك أو بائعي الأسماك المحليين ، وبأسعار منخفضة جدا ، أو تلف الأسماك وهو مايحصل في أحايين كثيرة ، حيث لايوجد غيرهم يتحكم بأسعار السوق .!

وهكذا تتكالب عدة عوامل ، منها ضآلة الانتاج وارتفاع كلفته ، وانخفاض الأسعار وتلف الأسماك ، ليبقى سالم وعائلته في قبضة الفقر والحاجة .

حيث تعيش عائلته المكونة من 10 أشخاص على أقل من 3000 دولار في السنة .
ومع أن سالم يصطاد أسماك التونة الغنية بالقيمة الغذائية ، إلا أن القيمة الغذائية لطعام عائلته منخفضة جدا ، ولاتفي بمتطلبات الجسد اليومية .

وفي المدينة التي يعيش فيها سالم غالبا ماتنقطع الكهرباء ، وتعاني من أزمات في الماء والمحروقات والغاز المنزلي ولم يحظى أبناؤه بحظ كبير من التعليم . بينما المسؤولون عن قطاع الثروة السمكية في العاصمة ، يتمتعون هناك بكل الكماليات التي يتمتع بها جوزيف وعائلته في أمريكا .!!
فهم يمتلكون السيارات الفارهة ، والفلل العامرة ، ويذهب أولادهم إلى أفضل المدارس ، ويتمتعون بالخدمات الصحية الحديثة .

حيث أن إنتاج القطاع السمكي يشكل 3% من الدخل العام للدولة ، ويعتبر ثاني أكبر مصدر لإيرادات التصدير بعد النفط ، يُصرف جله لرواتب الموظفين ، وهي رواتب تفوق دخل سالم وزملائه في الشحر ، كما تمول منها المشاريع الكبيرة في المدن البعيدة عن الشحر وصياديها الفقراء .

أما سياسيا فيمثل جوزيف في واشنطن نائب متجاوب معه ومع مصالحه ومتطلباته .
ولدى النواب الذين يمثلون الولايات المنتجة من النفوذ السياسي مايمكنهم من إبقاء الدعم الحكومي للمنتجات البحرية وللبحوث العلمية والخدمات الميدانية المقدمة للصيادين ، رغم أنهم لايمثلون سوى جزء بسيط من المجتمع الأمريكي الصناعي .

أما سالم فلا يمتلك أي قدر من النفوذ السياسي ، ولايمثل مصالحه في العاصمة أحد . بالرغم أن غالبية السكان في المناطق الساحلية هم من صغار الصيادين مثل سالم ، إلا أن الأقلية التي تسكن المدن الرئيسية هي وحدها التي تحظى باهتمام الحكومة وتنعم بمواردها .
لذلك يبقى السؤال مطروحا ،
لماذا ننمي ؟ ننمي لأننا نريد أن يتمتع شخص مثل سالم بنفس الدخل والخدمات التي يتمتع بها أخ له في الانسانية هو جوزيف .
أما من يتحدثون عن التنمية والإنجازات العظيمة في مجتمعنا ، دون أن يحققوا لشخص مثل سالم ولو جزء يسير من التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، فإن مايفعلونه لاعلاقة له بالتنمية وإن ادعوا غير ذلك .

عن ادارة التحرير

شاهد أيضاً

المصير المشترك .. لماذا أصبح إخراج “الانتقالي” من الشرق اليمني ضرورة حتمية للرياض والشرعية؟

المصير المشترك .. لماذا أصبح إخراج “الانتقالي” من الشرق اليمني ضرورة حتمية للرياض والشرعية؟ أمين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *