حين تتحول اللغة إلى ساحة صراع… دلالة “التمكين” في حضرموت وواجب السلطات المحلية
بقلم: عدنان بن عفيف
في حضرموت، لم تعد اللغة مجرد وسيلة للتواصل، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس موازين القوة، وتوترات الهوية، وصراع النفوذ. ولعلّ الجدل الذي أثارته لفظة “تمكين” في أحد القرارات الإدارية الأخيرة يكشف حجم التحوّل الذي تعيشه حضرموت، حيث باتت الكلمات تُقرأ كرسائل سياسية، وتُفكَّك كأنها بيانات صادرة عن مراكز نفوذ، لا مجرد مصطلحات إجرائية.
ففي السياق الحضرمي الراهن، لا تُفهم كلمة “تمكين” بمعناها الإداري البسيط، بل تُحمَّل بدلالات تتجاوز حدود الوظيفة إلى حدود السلطة. فهي تشير، في الوعي الجمعي، إلى منح نفوذ، أو نقل مركز قرار، أو تثبيت سلطة جديدة داخل مؤسسة سيادية. وحين يُمكَّن شخص من خارج حضرموت في موقع حساس، فإن ذلك يُقرأ فورًا كخطوة سياسية لا إدارية، وكأنها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل حضرموت.
هذا الحسّ المرهف تجاه المصطلحات ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات طويلة من الشعور بالتهميش، وغياب التمثيل الحقيقي، وتراجع دور أبناء حضرموت في إدارة شؤون منطقتهم، رغم أنها تنتج الجزء الأكبر من ثروة البلاد النفطية. ومع تصاعد خطاب “التمكين الذاتي” و”استعادة القرار الحضرمي”، أصبح المجتمع أكثر يقظة تجاه أي خطوة قد تُفهم كاختراق أو فرض نفوذ خارجي.
إنّ استخدام كلمة “تمكين” في هذا التوقيت، وفي مواقع إيرادية بالغة الحساسية تحديدًا، بدا وكأنه يصطدم مباشرة بالمزاج الشعبي، الذي يميل اليوم إلى تعزيز الهوية المحلية، وحماية المواقع السيادية، وتمكين أبناء حضرموت من إدارة مؤسساتهم. فالمجتمع الحضرمي لم يعد يتعامل مع القرارات الإدارية ببرود، بل يقرأها ضمن سياق أوسع من الصراع على الموارد والسلطة والتمثيل.
ولذلك، فإن رد الفعل الشعبي لم يكن موجّهًا ضد الشخص المعيّن بقدر ما كان موجّهًا ضد الدلالة التي حملتها الكلمة، وضد الرسالة التي فهمها الناس من ورائها. فالمجتمع يرى أن حضرموت تمتلك من الكفاءات والخبرات ما يكفي لقيادة مؤسساتها، وأن إسناد المواقع السيادية لأبناء حضرموت ليس مطلبًا مناطقيًا ضيقًا، بل ضرورة لضمان الاستقرار، واحترام الوعي الجمعي، وتخفيف الاحتقان المتصاعد.
وهنا يأتي الدور الحاسم للسلطات المحلية في حضرموت. فالمطلوب اليوم ليس فقط إدارة ردود الفعل، بل إعادة ضبط البوصلة بما ينسجم مع تطلعات الناس. وعلى السلطات أن تدرك أن احترام المزاج الشعبي ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للاستقرار، وأن الدفع بأبناء حضرموت إلى قيادة المواقع السيادية ليس مجاملة اجتماعية، بل استحقاق طبيعي وحق أصيل.
إنّ تجاهل هذا الوعي الجمعي، أو التعامل معه كحالة عابرة، سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان، وربما إلى فقدان الثقة بين المجتمع ومؤسساته. أما الاستجابة له، فهي خطوة نحو تعزيز الشرعية المحلية، وترسيخ الانتماء، وبناء نموذج حضرمي قادر على إدارة شؤونه بكفاءة ومسؤولية.
في النهاية، ليست المشكلة في كلمة “تمكين” بحد ذاتها، بل في ما ترمز إليه في هذا الظرف الحساس. وحين تصبح الكلمات مؤشرات على صراع النفوذ، فإن الحكمة تقتضي أن تُقرأ بعناية، وأن تُستخدم بما يحفظ تماسك المجتمع، ويعزز دوره في إدارة شؤونه. وحضرموت اليوم بحاجة إلى قرارات تُطمئن الناس، لا تُربكهم؛ وإلى سياسات تُعزز حضور أبنائها، لا تُقصيهم؛ وإلى قيادة محلية تدرك أن احترام الوعي الجمعي ليس خيارًا، بل واجبًا.

صحيفة صوت حضرموت صوت حضرموت الغائب والمغيب عنك